Created By Flyman


    شرف الغنى و مخاطرة الفقر

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 123
    تاريخ التسجيل : 15/02/2011

    شرف الغنى و مخاطرة الفقر

    مُساهمة  Admin في الأربعاء فبراير 23, 2011 4:51 pm



    رأيت من أعظم حيل الشيطان و مكره، أن يحبط أرباب الأموال بالآمال، و التشاغل باللذات القاطعة عن الآخرة و أعمالها.
    فإذا شغلهم بالمال ـ تحريضاً على جمعه ، و حثاً على تحصيله ـ و أمرهم بحراسته بخلاً به .
    فذلك من متين حيله ، و قوي مكره . ثم دفن في هذا الأمر من دقائق الحيل الخفية ، أن خوف من جمعه المؤمنين، فنقر طالب الآخرة منه ، و بادر التائب بأن يخرج ما في يده .
    ولا يزال الشيطان، يحرضه على الزهد ، و يأمره بالترك ، و يخوفه من طرقات الكسب، إظهاراً لنصحه و حفظ دينه. و في خفايا ذلك عجائب من مكره .
    وربما تكلم الشطان على لسان بعض المشايخ الذين يقتدي بهم التائب، فيقول له: اخرج من مالك و ادخل في زمرة الزهاد .
    ومتى لك غداء أو عشاء، فلست من أهل الزهد، فلا تنال مراتب العزم .
    وربما كرر عليه الأحاديث البعيدة عن الصحة الواردة على سبب و لمعنى .
    فإذا أخرج ما في يده، و تعطل عن مكاسبه ، عاد يعلق طعمه بصلة الإخوان. أو يحسن عنده صحبة السلطان، لأنه لا يقوى على طريق الزهد و الترك إلا أياماً ، ثم يعود فيقاضى مطلوباته ، فيقع في أقبح مما فر منه .
    ويبذل أول السلع في التحصيل دينه و عرضه ...، و يقف في مقام اليد السفلى .
    ولو أنه نظر في سير الرجال و نبلائهم ، و تأمل صحاح الأحاديث ، عن رؤسائهم، لعلم أن الخليل عليه الصلاة و السلام كان كثير المال ، حتى ضاقت بلدته بمواشيه .
    وكذلك لوط عليه الصلاة و السلام، [ و كثير من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام ]، و الجم الغفير من الصحابة. و إنما صبروا عند العدم، و لم يمتنعوا من كسب ما يصلحهم ، و لا من تناول المباح عند الوجود .
    وكان أبو بكر رضي الله عنه يخرج للتجارة و الرسول صلى الله عليه و سلم حي .
    وكان أكثرهم يخرج فاضل ما يأخذ من بيت المال، و يسلم من ذل الحاجة إلى الأخوان. و قد كان ابن عمر لا يرد شيئاً، و لا يسأله.
    وإني تأملت على أكثر أهل الدين و العلم هذه الحال، فوجدت العلم شغلهم عن المكاسب في بداياتهم، فلما احتاجوا إلى قوم نفوسهم ذلوا، و هم أحق بالعز .
    وقد كانوا قديماً يكفيهم من بيت المال فضلاً عن الإخوان، فلما عدم في هذا الأوان ، لم يقدر متدين على شيء إلا يبذل شيء من دينه. و ليته قدر فربما تلف الدين و لم يحصل له شيء. فالواجب على العاقل أن يحفظ ما معه، و أن يجتهد في الكسب ليربح مداراة ظالم، أو مداهنة جاهل، و لا يلتفت إلى ترهات المتصوفة، الذين يدعون في الفقر ما يدعون .
    فما الفقر إلا مرض العجز ، و للصابر على الفقر ثواب الصابر على المرض. اللهم إلا أن يكون جباناً عن التصرف ، مقتنعاً بالكفاف، فليس ذلك من مراتب الأبطال، بل هو من مقامات الجبناء الزهاد .
    وأما الكاسب ليكون المعطي لا المعطى ، و المتصدق لا المتصدق عليه ، فهي من مراتب الشجعان الفضلاء. و من تأمل هذا، علم شرف الغنى و مخاطرة الفقر .

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس مايو 25, 2017 2:31 pm